محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وهو يريد : فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأَحوص : ويلحينني في اللهو أن لا أحبه * وللهو داع دائب غير غافل يريد : ويلحينني في اللهو أن أحبه . وبقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ يريد أن تسجد . وحكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول " غير " التي " مع المغضوب عليهم " أنها بمعنى " سوى " ، فكان معنى الكلام كان عنده : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم الذين هم سوى المغضوب والضالين . وكان بعض نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله ، ويزعم أن " غير " التي " مع المغضوب عليهم " لو كانت بمعنى " سوى " لكان خطأ أن يعطف عليها ب " لا " ، إذ كانت " لا " لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها . كما كان خطأ قول القائل : عندي سوى أخيك ، ولا أبيك ؛ لأَن " سوى " ليست من حروف النفي والجحود ؛ ويقول : لما كان ذلك خطأ في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصح اللغات من لغات العرب . كان معلوما أن الذي زعمه القائل أن " غير مع المغضوب " عليهم بمعنى : " سوى المغضوب عليهم " خطأ ، إذ كان قد كر عليه الكلام ب " لا " . وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي بمعنى الجحد . إذ كان صحيحا في كلام العرب وفاشيا ظاهرا في منطقها توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعملا فيهم : أخوك غير محسن ولا مجمل ، يراد بذلك أخوك لا محسن ، ولا مجمل ، ويستنكر أن تأتي " لا " بمعنى الحذف في الكلام مبتدأ ولما يتقدمها جحد ، ويقول : لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مبتدأ قبل دلالة تدل ، على ذلك من جحد سابق ، لصح قول قائل قال : أردت أن لا أكرم أخاك ، بمعنى : أردت أن أكرم أخاك . وكان يقول : ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئه قائل ذلك دلالة واضحة على أن " لا " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف ، ولما يتقدمها جحد . وكان يتأوله في " لا " التي في بيت العجاج الذي ذكرنا أن البصري استشهد به بقوله إنها جحد صحيح ، وأن معنى البيت : سرى في بئر لا تحير عليه خيرا ، ولا يتبين له فيها أثر عمل ، وهولا يشعر بذلك ولا يدري به . من قولهم : طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا ؛ أي لم يتبين لها أثر عمل . ويقول في سائر الأَبيات الأَخر ، أعني مثل بيت أبي النجم : فما ألوم البيض أن لا تسخرا إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف ، لأَن الجحد قد تقدمها في أول الكلام ، فكان الكلام الآخر مواصلا للأَول ، كما قال الشاعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهم * والطيبان أبو بكر ولا عمر فجاز ذلك ، إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام . قال أبو جعفر : وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأَول ، إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه ب " لا " التي معناها الحذف ، ولا جائز العطف بها على " سوى " ، ولا على حرف الاستثناء . وانمال " غير " في كلام العرب معان ثلاثة : أحدها الاستثناء ، والأَخر الجحد ، والثالث سوى ، فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الإِلغاء مبتدأ وفسد أن يكون عطفا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء ، ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى " سوى " ، وكانت " لا " موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها ، صح وثبت أن لا وجه ل " غير " التي مع " المغضوب عليهم " يجوز توجيهها إليه على صحة إلا بمعنى الجحد والنفي ، وأن لا وجه لقوله : " ولا الضالين " ، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم " . فتأويل الكلام إذا إذ كان صحيحا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم ولا الضالين . فإن قال لنا قائل : ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم ، أو نضل ضلالهم ؟ قيل : هم الذين وصفهم الله في تنزيله ، فقال :